التصنيفات
كتب وقراءات

حسن الصميلي يروي بعض معاني السماء

في الأسبوع قبل الماضي قابلت بعض الأصدقاء الذين زاملتهم في الدراسة في كلية اللغة العربية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أحدهم الشاعر حسن الصميلي الذي لم أقابله منذ فترة طويلة، كان حضوره مفاجأة سارة بلا شك، جاء مسرورًا يحمل نسخًا ساخنةً من ديوانه الأول الذي خرج للتو من المطبعة، ولا أظن أن سرورنا كان أقل من سروره فقد تلقفنا الديوان مباركين، تصفحناه وقرأنا فيه قليلاً، وانصرفنا على وعد بقراءة متأنية.

عبرت له عن تساؤلي في الفترة الماضية التي تلت التخرج عن مصير ما كان يكتبه من أشعار، هو وبقية شعراء الدفعة فقد كنا سبعة، وكانت الدفعة التي ضمت أكبر عدد من الشعراء كما قال لنا الدكتور حبيب بن معلا اللويحق، استغربت تأخره في إصدار ديوانه الأول، وكان عذره هو عذري في تأخر صدور ديواني الأول، مشاغل الحياة، وبناء الأسرة، وهموم العمل.

باح إلى بانقطاعه عن الشعر فترة، وأشرت إليه بأن السبب ربما يعود إلى عدم النشر، خاصة حينما يحس الشاعر بأن ما كتبه في فترة سابقة يمثل تلك المرحلة التي انتهت، وبقيت أشعارها دون نشر، فيتوقف عن الكتابة لا شعورياً، فإذا نشر ما كتب عادت إليه جنية الشعر كالعروس البكر.

يضم الديوان 50 نصاً شعرياً في 108 صفحة من الجحم التوسط ، و شاعرنا قليل الكلام ، لطيف الدعابة ، رهيف الحس ، دقيق الفكر ، صاحب عبارة رشيقة ، و صور حافلة مكثفة مبتكرة ، شاعر المعاناة الإنسانية المتوشحة بالصبر و قوة الإدارة ، و ربما المختومة بالنهاية الجميلة ، فقد كتب عن الطفل المشلول ، كما كتب عن حفلة زفاف لأربعين يتماً ، كما كتب عن ” راعية الغنم ” حيث يقول :

و أمرُّ  فوق  التل ،  أسمع  صوت  راعية  الغنم

تدعو ، و تصرخ بالقطيع – و قد تفرق – أن يلم

في  شعرها  سكن  الغبار   و فوق  بحتها  الألم

وعصا  الرعاة  تقودها   بين  التخاذل و الندم

من  للأجيرة   في  زمانٍ     فيه  قُطِّعت  الرحم

ورمى لها  مع  بخله    ثوباً  من  الذل  القتم

لبسته مكرهة ، و تحمل  طفلها ، و العيش هم

تغدو  لتحصد   أزرع    الملاك  من عرق و دم

و تظل  في  تجميعها   و الشمس تلفحها بغم

و تطوف  بين  حظائر  الأبقار  تطرح أو تلم

و تدور  ما  بين  البيوت كنحلة و الزهر سم

و حمارها  في  صمته   يأسى  لها ، و الناس لم

وهو شاعر الحزن على جراح العالم الإسلامي والعالم العربي في بغداد وفلسطين، والمقارنة المؤلمة وربما الساخرة بين الماضي والحاضر:

يا جُرح أمتنا عذراً إذا حجدت أعراقنا الدم .. و أنذرَّ الوفاء مزقا

كانت تهز ضلوع الكون صرختنا و اليوم نصمت من أعماقنا فرقا

كأننا  لم  نكن  للسيف  عزته  أو  أن  تاريخنا الوضاء ما خلقا

ما بالنا ؟ و ذئاب الليل تنهشنا نمشي فرادى و لا نستجمع الطرقا

و هم السلام تشطت منه أذرعنا و الصخر  آمن بالمسمار فانفلقا

لقد نزعنا شهاب الله من دمنا فأظلم الصبح  بالأهواء و اصطفقا

فاسمع إلى الريح تعوي في مدائننا و قلب الطرف تلق الخوف و الرهقا

وهو شاعر الفخر بالوطن القطري الذي كتب له ولقيادته الأغنيات، شاعر العشق والحنين إلى مدينته جازان :

نم يا وطن الحب نم     تفديك عصافير الدم

حراسك نحن و نعلنها في وجه العميان الصم

يا سيد أوطان الدنيا   يا أحلى ما غنى فم

لترابك حق نحفظه    تفنى الأكوان و يسلم

قدسك الله بكعبته      و لخيرك أجرى زمزم

و الشرف الأعظم تملكه في يوم الحج الأعظم

وفي حنينه إلى مدينته كتب :

غار نصل الشوق في جسدي من حديث الفل عن بلدي

و ارتمى قلبي على قدمي :       قد كفاك الهجر فلنعدِ

وهو شاعر الأخوة والوفاء للأصحاب والأصدقاء الذي تجلى في الرثاء ، شاعر أبدع في تصوير العواطف الوجدانية حيث قال :

يا رفيقي ، لن يكون الحب يوماً نرجسيا

لا ، ولا قلباً صغيراً ..   ورداءً مخمليا

ولئن كان قديماً ..     فلقد كان غبيا

وسيصحو ثائر  الخفقة  جبارًا عصيا

كيف يا أحمق تهويمًا   و صدقًا مسرحيًا

ملَّك النُّظار حتى     عدت فصلًا هزليا

كالذي يغزل خيطًا .. لِمَ ؟ يصطاد الثريا !

وهو شاعر الصور المكثفة المبتكرة حيث يقول في قصيدته الرائقة ” شاعر صوفية في عرس الأرض ” :

حملت النسيم الرضيع الذي تندى على جبهتي وانتثر

أتيت به من صدور التلال  و في يده خصلة من زهر

فهبَّ يسائل عما يراه        فعلمته النطق لما شعر

وأرسلته يتهادى رويداً      ولكنه عن قليل عثر

فامسكته من ذراع الشذا     وقبلني بردهُ واعتذر

فأجلسته فوق حلم الكثيب وحدثته عن أبيه المطر

ما أجمل كتبت يا حسن فلقد بلغت بنا في الشعر الذروة و تذوقنا السكرة ، فشكراً جزيلاً لك يا صديقي على الإهداء ، و على الوقت الجميل الذي قضيته في حضرة الشعر، ومبارك لك صدوره، أتمنى لك التوفيق في مشوارك، كما أتمنى لديوانك الذيوع والانتشار، حتى يتخذ مكانه الذي يستحقه، وعذراً قارئ العزيز لأني أعلم أنك في شوقٍ إلى المزيد، ولكن إنما هي لمحة وبإمكانك الحصول على الديوان من دار المفردات التي طبعت الديوان، أو مكتبة العبيكان وغيرها.

هامش : أعتذر لكم أيها القراء الأعزاء عن انشغالي قليلاً عن المدونة؛ لأني أعد منذ فترة لديواني الثاني الذي أسعى أن يكون أجمل وأفضل من الأول بإذن الله.

بواسطة صالح الهزاع

مدون سعودي

6 تعليقات على “حسن الصميلي يروي بعض معاني السماء”

لا شك أن حسن متمكن على مستوى الإيقاع، لكنه يفتقد لفكرة اللغة المتجاوزة تلك اللغة المجازية التي تحملنا لأفق بعيد عبر أطر الدهشة والإيحاء. في نصه الأول شعرت أن حسن لم يوظف صياغاته جيدا وغلبت عليها المباشرة(تقودها بين التخاذل والندم) عبارة تقليدية لاتمس الشعر مطلقا، وأعتقد أن القافية أجبرت شاعرنا حسن على اجتلاب كلمات في غير مكانها(غم وهم) ففي تصوري ليست في مكانها ولم تضف جديدا كما أنها ليست شعرية، وأخيرا إن الرؤية والبعد الدلالي التصويري هي من تصنع الدهشة وفي تصوري أنها غابت إلى حد بعيد.

حسن الصميلي كان صديقي الأعز الذي لا أفارقه أيام الكلية ..
وقد تشبثت بهذه الصداقة بكل ما أوتيت من قوة .. ولا أزال متشبثا بها إلى يومنا هذا ..

ومن خلال هذا الرجل عرفت المعنى الحقيقي للشعر .. ورأيت الشعر الحقيقي عن قرب ..
وهي تجربة أحمد الله عليها وأشكره .. ولا شك أني من أهل الحظ العظيم في ذلك ..

ربما لم تكن النصوص التي اختارها الأستاذ صالح هي النماذج المتفردة من شعر حسن ..
بل إن الشاعر حسن لم يضع كل فرائده في هذا الديوان ..
فالديوان كما سماه .. فيه بعض معاني السماء ..

===

إلى (ظمأ الروح):
أرجو منك الانتظار في الحكم وتأجيله إلى ما بعد قراءة الديوان والاطلاع على بقية النصوص ..

أ.حسن الصميلي
من المدرسين الذين اعتز وافتخر باني من احد طلابهم
ولقد استفد منه الكثير

واخيرا تحياتي لك يااستاذ حسن

أكتب تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.