مآل مكتبات علماء المملكة العربية السعودية

كتاب لطيف قد يتساءل القارئ عن سر انقداح فكرته الجميلة في ذهن مؤلفه، ولكن حدة هذامآل التساؤل ستخف إذا عرف القارئ أن مؤلفه مهتم بالتراجم والكتب معًا، وهو الأستاذ أحمد العلاونة مؤلف كتاب “ذيل الأعلام” وكتاب “التذييل والاستدراك على معجم المؤلفين”. النسخة التي بين يدي من إصدار دارة الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى، كتاب الدار الثامن عشر الصادر عام 1430هـ في 169 صفحة من الحجم الصغير.

قدمت الدارة للكتاب بمقدمة موجزة تحدثت فيها عن تطور الدولة السعودية في شتى مناحي الحياة حتى شمل العناية بالكتاب و المكتبات، و قدم المؤلف لكتابه بمقدمة تحدث فيها عما يميز مكتبات العلماء من غيرهم من انتقاء الكتب والطبعات والتحقيقات والمخطوطات والتعليق عليها، والإهداءات التي توثق وتؤرخ للعلاقات والصلات العلمية والثقافية والأدبية وربما الاجتماعية والعملية بين المهدي والمهدى إليه.

ذكر المؤلف في مقدمته أنه خرج من هذا البحث بنتائج منها أن هذه المكتبات لم تخرج خارج السعودية، وأن أكثرها وقف أو أهدي، ولم يبع منها إلا القليل، وأن هذه المكتبات تتفاوت في أهميتها، ولا يعني أن من بينها ما ليس له أهمية مهما كانت موضوعات الكتب فيها؛ لأن غالبية أصحابها عاشوا في زمن بداية ظهور المطابع في العالم العربي، أو على الأقل في بداية ازدهارها مما يعني أن مكتباتهم تضم كتبا تعد من أوائل ما طبع.

ثم تحدث المؤلف فيه عن مآل ومصير المكتبات الخاصة بعد وفاة أصحابها، سواء أكانوا من العلماء أو طلاب العلم أو محبي المعرفة والثقافة أو محبي الكتب والمخطوطات، فتحدث عنهم وترجم لهم بتراجم موجزة، و وصف ما تحويه مكتباتهم وما تتميز به متى ما تيسر له ذلك، فتحدث عن أكثر من مئة مكتبة؛ لأن بعضهم ملك مكتبين في مكانين مختلفين كخير الدين الزركلي.

أبرز المكتبات التي لفتت نظري بعدد كتبها المكتبة الخاصة للأديب عبدالله بن خميس رحمه الله، وتضم 7740 مجلد، والمكتبة الخاصة للقاص محمد بن منصور الشقحاء، وتضم 8960 كتاب، والمكتبة الخاصة للأستاذ عثمان وتضم نحو 18000 كتاب، أما أبرز المكتبات التي لفتت نظري في تخصص كتبها بعلم أو علوم المكتبة الخاصة للدكتور عيد بن مسعود الجهني المتخصصة في القانون، والمكتبة الخاصة للدكتور مسعد بن سويلم الشامان المتخصصة في اللغة التركية وآدابها، والمكتبة الخاصة للأستاذ يوسف بن إبراهيم السلوم المتخصصة في العلوم العسكرية والإدارية والسياسية.

ثم ختم المؤلف كتابه بملحق للصور والوثائق عرض فيه صورًا لبعض المكتبات الخاصة التي تحدث عنها، وصورًا للتعليقات والإهداءات في بعض كتب هذه المكتبات، ثم قائمة بالمصادر والمراجع، ثم السيرة الذاتية للمؤلف وقائمة بكتبه المطبوعة والتي تحت الإعداد والطباعة، ثم قائمة بإصدارات دارة الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى.

رأي شخصي في الكتاب

الكتاب لطيف كما ذكرت، وبإمكان القارئ الجاد إنهاء قراءته في جلستين أو ثلاث، وسوف يشعر أثناء قرأته بمدى حب أصحاب هذه المكتبات للعلم والمعرفة، ومقدار ما بذلوه من جهد ومال لجمعها، وحجم تضحيتهم وحبهم للخير بوقفها وإهداءها، وسوف تصغر في عينه مكتبته الشخصية، وإن كان من عزاء لي ولكم فهو في التنافس في القراءة حتى لا تكون مكتباتنا مجرد مفاخرة ومباهاة؛ لأننا مهما جمعنا مخلفون، ومهما طالت بنا الحياة راحلون، وإن كانت المفاخرة والمباهاة في اقتناء وجمع الكتب خير من غيرها.

أعجبتني التراجم في الكتاب لأصحاب المكتبات، فمن الجميل التعرف على من يشاطرونك هواية القراءة، وجمع الكتب ولو كانوا أمواتا، وهم بالمناسبة متنوعو التخصصات، ومتفاوتو الشهرة، ومتوزعون في أرجاء الوطن. في هذه التراجم لطائف مثل تلك التي ذكرها المؤلف من أن المكتبة الأهلية التي أسسها عبدالمحسن البابطين عام ١٣٦٤هـ كانت أول مكتبة تجارية في الرياض.

ومن اللطائف أن مكتبة الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود التي أنشأها عام ١٣٦٣هـ في بيته بالحلة كانت أول مكتبة عامة بالرياض، حيث خصص لها جانبا من بيته، وأباح لكل زائر مطالعتها، وبلغ من عنايته بها أن وضع لوحة في مدخلها للإعلان عن الكتب الجديدة، وعيّن قيما عليها وعاملا للضيافة، وكان من روادها حمد الجاسر ومحمد بن بليهد وعبدالكريم الجهيمان رحمهم الله جميعا.

ومما يجدر التعليق عليه ما ذكره المؤلف في ترجمة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله نقلا عن ابن دهيش من أن أحمد بن باز ذكر أن مكتبه والده ستنتقل الى مبنى الوقف الخيري المسمى باسم سماحته في حي العزيزية بمكة المكرمة لتكون مرجعا للعلماء والطلاب، وأضيف أنه تم افتتاح مكتبة ابن باز العامة في مكة المكرمة قبل مدة، وأظن أن المكتبة الخاصة للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى كانت نواتها.

وما ذكره المؤلف في ترجمة القاضي إبراهيم بن سعود السياري رحمه الله تعالى من أنه (ولد في ضرمى بنجد) والصحيح “ضرما” بالألف القائمة كما ورد في المعجم الجغرافي لحمد الجاسر، وفي دليل أسماء الأماكن في منطقة الرياض، وما ذكره المؤلف في ترجمة الشاعر صالح بن ناصر الصالح من أن مكتبته أهديت الى مركز صالح بن صالح الاجتماعي في عنيزة، وقد يظن القارئ أن الاسمين لشخصين، والحقيقة أن صالح بن ناصر الصالح هو ذاته صالح بن صالح الذي يحمل المركز اسمه.

وما لم يذكره المؤلف مثل مآل مكتبة حمد الجاسر، وأظنها آلت إلى مركز حمد الجاسر الثقافي، و أحب أن أشير أيضا إلى المكتبات الخاصة الكبيرة التي اشتهرت بشهرة أصحابها الأحياء أطال الله أعمارهم، مثل مكتبة الأديب عبدالله بن دريس وتضم أربعة آلاف كتاب حسب لقاء أجري معه في المجلة العربية، والمكتبة الخاصة للشيخ عبدالكريم الخضير، وللشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف، فقد اشتهرا بحب وجمع الكتب، والمكتبة الخاصة للشيخ الأديب محمد بن عقيل الظاهري، وقد كان يبيع منها كلما ضاقت به الحال، وأصبح يبيع منها كلما ضاق بها المكان.

و ختاما أنبه المؤلف والناشر إلى ضرورة مراجعة تمييز الأعداد في الطبعة اللاحقة للكتاب.

2 تعليقان على “مآل مكتبات علماء المملكة العربية السعودية”

  1. يقول أميرة:

    كان لدينا مكتبة تزخر بالطبعات النادرة لكن حين غلبت التقنية وعلاها الغبار أوقفناها لوالدي رحمه الله ..شكرا صالح

  2. رحمة الله عليه، وأهلا وسهلا بك

-

كتابة تعليق